
موقع جمعيّة العمل البلدي – بشرى الضيقة
استضاف برنامج “حكي بلدي” عبر إذاعة النور الأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية – كلية الزراعة، الدكتور أحمد زراقط، في حلقة ناقشت واقع المحميات الطبيعية في جنوب لبنان، والأضرار التي لحقت بها جراء العدوان، إضافة إلى دور البلديات في جهود إعادة التأهيل، وأبرز التحديات البيئية والإدارية والمالية التي تواجه هذه المهمة.
استُهلّت الحلقة بتوضيح مفهوم المحمية الطبيعية، حيث بيّن زراقط أن الهدف من إنشائها هو صون الموارد الطبيعية التي تعرّضت عبر مئات السنين للاستنزاف والتعديات، والحفاظ على التنوع النباتي والحيواني، خصوصاً في بلد يعاني محدودية في المساحات الخضراء وتزايداً في مخاطر التصحر. وأشار إلى أن محمية وادي الحجير كانت أول محمية أُقرت بقانون في الجنوب، تلتها محمية شاطئ صور البحرية، ثم محميتا كفرا ورامية اللتان أُعلنتا مؤخراً، إضافة إلى محمية جزين
وأشار إلى أن محمية وادي الحجير تُعد من بين الأكثر تضرراً، وهي ثاني أكبر محمية في لبنان من حيث المساحة، إذ تمتد لنحو 23 كيلومتراً بمحاذاة عدد من الأقضية والقرى الجنوبية. وبيّن أن الموقع الحدودي للجنوب جعل هذه المحميات عرضة للاستهداف المباشر، سواء بالقصف التقليدي أو بالقنابل الحارقة والفوسفورية، ما أدى إلى احتراق مساحات واسعة من الغطاء النباتي
وأوضح زراقط أن الأضرار لا تقتصر على خسارة الأشجار فحسب، بل تمتد لتطال النباتات المعمّرة والنظم البيئية المتكاملة. كما أشار إلى ظهور بقع بيضاء في بعض المواقع المتضررة، ما يستدعي إجراء فحوص دقيقة للتربة لتحديد مستوى التلوث وإمكانية معالجته. وأكد أن العمل مستمر لتقييم حجم الأضرار باستخدام صور الأقمار الاصطناعية وتقنيات الاستشعار عن بُعد، من خلال مقارنة الغطاء النباتي قبل العدوان وبعده، بمشاركة طلاب في أبحاث جامعية متخصصة.
كما تطرّق إلى أثر التلوث البيئي الناتج عن العدوان، موضحاً أن تقييمه يتطلّب وقتاً طويلاً نظراً لتداعياته المحتملة على الحشرات والطيور والمياه الجوفية والتربة. ولفت إلى أن بعض الأضرار قد لا تتكشف آثارها إلا بعد سنوات، ولا سيما إذا طالت مصادر المياه أو التنوع البيولوجي الذي يشكّل الركيزة الأساسية للتوازن البيئي في المنطقة.
وفي ما يتعلق بدور البلديات، أوضح زراقط أن المسؤولية تتقاسمها عدة جهات، في مقدّمها الدولة ممثلة بوزارتي الزراعة والبيئة بصفتهما الجهتين الوصيتين على المحميات، إلى جانب البلديات التي يقع على عاتقها تطبيق أنظمتها وتنفيذ الدوريات وحماية ما تبقى من الغطاء الأخضر، فضلاً عن منظمات المجتمع المدني التي يمكن أن تسهم في مجالي التمويل والتنفيذ.
وشدد على أن أي خطة لإعادة التأهيل يجب أن تنطلق من تقييم شامل لحجم الأضرار، سواء على مستوى الغطاء النباتي أو التربة أو المياه، يعقبه إعداد خطة علمية لإعادة التشجير تراعي التنوع البيئي الأصلي، وإجراء الفحوصات المخبرية اللازمة للتربة والمياه، وتحديد أنواع الأشجار والنباتات القادرة على التأقلم مع الواقع الجديد. كما أكد أهمية وضع خطة إدارة سنوية لكل محمية، تُعدّها لجنة تضم ممثلين عن البلدية ووزارة البيئة والمجتمع المدني، على أن تكون مدعومة بموارد مالية واضحة.
كما تطرّق زراقط إلى التحديات التي تواجه البلديات، وفي مقدمتها نقص الخبرات التقنية اللازمة لإجراء الدراسات البيئية المتخصصة، إلى جانب ضعف الموازنات التي قد لا تكفي أحياناً لتأمين مستلزمات الدوريات أو صيانة الآليات. وأشار إلى أن اتحادات البلديات كانت تؤدي دوراً داعماً في السابق، إلا أن الواقع المالي الراهن حدّ من قدرتها على الاستمرار بالمستوى ذاته.
وتناولت الحلقة أيضاً انعكاسات هذه الأضرار على المجتمع المحلي، سواء من الناحية الصحية نتيجة تراجع المساحات الخضراء وارتفاع احتمالات التلوث، أو من الناحية الاقتصادية، إذ كانت المحميات تشكّل رافداً للسياحة البيئية ولأنشطة إنتاج العسل والنباتات العطرية والطبية، فضلاً عن دورها في حماية المياه الجوفية وتنظيم المناخ المحلي والحد من مخاطر الفيضانات والحرائق.
وفي سياق الحديث عن الإجراءات العاجلة، شدد زراقط على ضرورة حماية ما تبقى من المساحات غير المتضررة، ومنع التعديات والتحطيب غير القانوني، وتفعيل الرقابة البلدية، إلى جانب تحرّك الدولة على المستوى القانوني لتوثيق الأضرار البيئية ورفعها إلى الجهات الدولية المختصة. كما دعا إلى تعزيز دور المدارس والجمعيات في نشر الوعي البيئي وتنظيم أنشطة تثقيفية تُبرز أهمية هذه الثروة الطبيعية.
وفي ختام الحلقة، جرى التأكيد على أن إعادة تأهيل المحميات المتضررة لا تقتصر على كونها مهمة تقنية، بل تمثّل مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل الجهود بين الوزارات والبلديات والمجتمع المدني، ووضع خطط علمية مدروسة تعيد الحياة تدريجياً إلى هذه المساحات، حفاظاً على التنوع البيئي وذاكرة الجنوب الطبيعية، وصوناً لحق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ومتوازنة.
تاريخ النشر:2026-02-28
