
خاص موقع جمعيّة العمل البلدي - أسماء بزيع
شهد لبنان يوم الاثنين 2 آذار 2026 تصعيدًا عسكريًا واسعًا تمثّل في سلسلة غارات جوية إسرائيلية مكثّفة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب والبقاع، وترافقت مع إنذارات بإخلاء عشرات القُرى والبلدات. ووفق وزارة الصحة، سُجّل سقوط 31 شهيدًا و149 جريحًا في حصيلة أولية.
الساعات التي تلت الغارات لم تكن عادية. فمع ارتفاع عدد الشهداء واتّساع رقعة القصف، اندفعت آلاف العائلات إلى الطرقات في موجة نزوح عشوائية لا تزال مستمرة لحدّ الآن، وتتزايد مع توسع رقعة التهديدات الإسرائيلية، وسط ازدحام خانق وغياب خطة مركزية واضحة لتنظيم الانتقال والإيواء.
على محاور خلدة - الأوزاعي، وأوتوستراد الجنوب، وطريق الشوف، أمضت عائلات أكثر من ست ساعات داخل سياراتها؛ أطفال بلا غذاء كافٍ، ومسنّون يفتقرون إلى أدويتهم؛ مشهد إنساني بالغ القسوة عكس حجم الإرباك في إدارة الساعات الأولى للأزمة.
وامتدّت فترات الانتظار لعشرات العائلات الأخرى في ازدحام مروري خانق استمرّ نحو 24 ساعة. وقد اضطرّ كثيرون إلى المبيت داخل مركباتهم على قارعة الطريق، بانتظار فتح مراكز إيواء أو العثور على مأوى، في ظل غياب توجيه رسمي واضح يحدّد مسارات الإجلاء ونقاط الاستقبال.
وبعد أكثر من يومين من الانتظار تحت وطأة الاكتظاظ وانعدام الخدمات الأساسية، اضطرت بعض العائلات إلى العودة نحو الجنوب، مفضّلةً المجازفة بخطر القصف على البقاء رهينة الطرقات المقفلة والمصير المجهول.
غياب التوجيه الرسمي بشأن الوجهات المتاحة وآلية توزيع الأعداد أدّى إلى تركّز الضغط على بلدات محدّدة، فيما بقيت مناطق أخرى أقل استقبالًا، ما عمّق الفوضى وأطال أمد المعاناة.
في المقابل، بادرت بلديات واتحادات بلدية إلى فتح مدارس وقاعات عامة كمراكز إيواء مؤقتة، وشكّلت غرف طوارئ لتسجيل الوافدين وتنظيم توزيعهم. إلا أن هذا التحرّك، رغم أهميته، كشف محدودية الإمكانات المحلية أمام موجة نزوح واسعة ومفاجئة.
عدد من البلديات أعلن سريعًا بلوغ قدرته الاستيعابية الحد الأقصى، مطالبًا بـ«تنسيق مُسبق» أو «لوائح رسمية» قبل استقبال أعداد إضافية. وفي حالات أخرى، تأخّر فتح مراكز الإيواء لساعات، ما اضطر عائلات إلى البقاء في سياراتها حتى الفجر. كما سُجّل في بعض المناطق غياب جهوزية مسبقة وخطط طوارئ محلية واضحة، وعدم انتظام في آليات الاستقبال والتسجيل.
قانونيًا، عندما يتجاوز النزوح نطاق بلدية واحدة ويتحوّل إلى أزمة واسعة، تصبح إدارة الحدث مسؤولية الدولة المركزية، عبر إعلان خطة طوارئ وطنية وتفعيل غرفة عمليات موحّدة تحدّد آلية توزيع النازحين وتمويل مراكز الإيواء. غير أن غياب إعلان واضح لخطة شاملة، وتأخّر الانتقال إلى إدارة مركزية تنفيذية، ترك البلديات تتحرّك منفردة وفق قدراتها الذاتية.
لم تُعلَن خريطة توزيع رسمية للأعداد، ولم يُحدَّد إطار زمني أو تمويلي واضح لدعم السلطات المحلية، ما حمّل المجتمعات المضيفة أعباءً اجتماعية وخدماتية تفوق قدرتها. وأشارت معطيات محلية إلى أن بطء التنسيق بين الجهات المعنية أسهم في تمديد المعاناة لساعات إضافية، محوّلًا النزوح إلى أزمة تنظيمية موازية للحدث الأمني.
هذا المشهد أظهر خللًا مزدوجًا: بلديات غير مجهّزة بالكامل لإدارة موجات نزوح واسعة، ودولة لم تنتقل بالسرعة الكافية إلى خطة موحّدة تضبط الاستجابة وتوزّع الأعباء بعدالة. وبين المستويَيْن، بقي المواطن الحلقة الأضعف، ينتقل من منطقة إلى أخرى بحثًا عن مأوى في ظل ارتباك إداري واضح.
الأزمة مستمرة، لكن ما كشفته الأيام الأولى جليّ: إدارة الكوارث لا تحتمل التأخير، ولا يمكن أن تُترك لاجتهادات متفرقة في لحظة تتطلّب قرارًا وطنيًا جامعًا وخطة تنفيذية واضحة.
تاريخ النشر:2026-03-03
