
موقع جمعية العمل البلدي – بشرى الضيقة
مع اتساع أدوار البلديات وتزايد مسؤولياتها الإدارية والخدمية والإنمائية، يبرز دور المساعد القانوني كعنصر أساسي في تنظيم العمل البلدي وضمان احترام القوانين والأنظمة المرعية. فبين النص القانوني والقرارات اليومية، وبين العقود والنزاعات، يشكّل المساعد القانوني صلة الوصل التي تحمي البلدية من الوقوع في الأخطاء وتكرّس مبدأ سيادة القانون داخل المجالس البلدية.
ضمن هذا الإطار، تناول برنامج «حكي بلدي» عبر إذاعة النور دور المساعد القانوني للبلديات ومهامه وصلاحياته القانونية، مستضيفًا المحامي والخبير البلدي عباس الغول، الذي قدّم قراءة شاملة لأهمية هذا الدور في العمل البلدي المعاصر.
يوضح الغول أن المساعد القانوني قد يكون محاميًا منتسبًا إلى نقابة المحامين أو خبيرًا قانونيًا ملمًّا بالشأن البلدي، مشيرًا إلى أن تقديم الاستشارات القانونية لا يتطلب بالضرورة أن يكون المستشار محاميًا، إلا أن تمثيل البلدية أمام القضاء والإدارات الرسمية يستوجب حصرًا صفة المحامي.
ويشير إلى أن قانون البلديات لا يفرض على كل بلدية وجود محامٍ ضمن ملاكها الوظيفي، إلا أن معظم الأنظمة البلدية تنص على حقّ البلدية في الاستعانة بمحامٍ، سواء بشكل دائم أو عبر توكيل خاص في القضايا والنزاعات. ومع تعقّد العمل البلدي اليوم، بات وجود المساعد القانوني ضرورة فعلية، لا سيما في البلديات الكبرى.
ولا يقتصر دور المساعد القانوني على إبداء الرأي، بل يتعداه إلى مواكبة القرارات البلدية وتدقيقها قانونيًا، والمساهمة في إعداد العقود والاتفاقيات، ومراجعة الأنظمة والقرارات الإدارية، والمشاركة في معالجة الاعتراضات والشكاوى التي يقدّمها المواطنون. كما يضطلع بدور محوري في إعداد الإنذارات المتعلقة بالرسوم البلدية والمخالفات، ومتابعة الدعاوى المقامة من البلدية أو ضدها، بما يحفظ حقوقها ويحدّ من النزاعات. وفي هذا السياق، يشبّه الغول دور المحامي داخل البلدية بدور المهندس، معتبرًا أن كليهما بات جزءًا لا يتجزأ من الهيكلية الإدارية الحديثة.
ويؤكد الغول أن وجود المساعد القانوني يرسّخ مبدأ سيادة القانون داخل البلدية، إذ يشكّل مرجعًا قانونيًا للإدارة والموظفين، ويساهم في رفع وعيهم القانوني، ما ينعكس حسنًا على أدائهم اليومي. وغالبًا ما يكون المساعد القانوني على تماس مباشر مع الموظفين والمواطنين، مفسّرًا حدود صلاحيات البلدية، ومصحّحًا المفاهيم الخاطئة حول دورها، خصوصًا في القضايا التي تتداخل فيها مسؤوليات الدولة مع صلاحيات البلديات.
وعلى الرغم من أهمية هذا الدور، لا يخلو عمل المساعد القانوني من التحديات، أبرزها الاحتكاك المباشر مع المواطنين، خصوصًا في ملفات الإنذارات والدعاوى، إضافة إلى محدودية الإمكانيات المالية لدى بعض البلديات. إلا أن الغول يرى أن هذه التحديات تتحوّل أحيانًا إلى فرصة لتعزيز الثقة، من خلال الحوار وشرح الإطار القانوني بهدوء ومسؤولية.
ويشمل دور المساعد القانوني تمثيل البلدية أمام الإدارات الرسمية والوزارات، وفي بعض الحالات تمثيل رئيس البلدية قانونيًا، فضلًا عن التنسيق مع البلديات المجاورة في القضايا المشتركة، كالنزاعات العقارية أو الدعاوى ذات النطاق الجغرافي المتداخل.
ويتوقف الغول عند أهمية الأرشفة القانونية داخل البلديات، معتبرًا أن وجود ملفات قانونية منظمة، سواء ورقيًا أو عبر المكننة والرقمنة، بات أمرًا أساسيًا لضمان حسن المتابعة. كما يشدّد على ضرورة توافر المراجع القانونية الأساسية داخل البلدية، كقانون البلديات، وقانون الرسوم البلدية، وقانون الشراء العام، وأنظمة مجلس شورى الدولة، إلى جانب الكتيبات الإرشادية الصادرة عن وزارة الداخلية والجمعيات المتخصصة، ومنها جمعية العمل البلدي التي أسهمت في إعداد أدلة قانونية وإجرائية تخدم العمل البلدي.
وفي ختام الحلقة، طُرحت آفاق تطوير وظيفة المساعد القانوني، من خلال تعزيز التدريب والتخصص، وإنشاء مرجعيات قانونية أو مؤسسات استشارية تُعنى بالشأن البلدي، بما يتيح تبادل الخبرات وتقديم الدعم القانوني للمجالس البلدية، مع التأكيد على استقلالية الرأي القانوني وضرورة انحيازه الدائم إلى المصلحة العامة، لا إلى الاعتبارات الشخصية أو السياسية.
ويخلص النقاش إلى أن المساعد القانوني ليس مجرد مستشار، بل هو عصب العمل القانوني داخل البلدية، وحارس الشرعية، وضمانة حسن سير الإدارة المحلية، في وقت تتحوّل فيه البلديات أكثر فأكثر إلى «حكومات محلية مصغّرة» تتطلب إدارة قانونية واعية ومواكبة.
تاريخ النشر:2026-01-26
