
خاص موقع جمعية العمل البلدي - لمى زين
تشهد مدينة النبطية، كغيرها من مناطق الجنوب، تطورات أمنية متسارعة واعتداءات إسرائيلية متواصلة، ألحقت دمارًا واسعًا بالمباني والمحلات ومحطات الوقود، ما أدى إلى موجة نزوح طالت معظم سكان المدينة. وقد انعكس هذا الواقع على الأوضاع المعيشية والصحية، حيث أصبح الصمود تحديًا كبيرًا للمواطنين، لا سيما أولئك الذين رفضوا مغادرة المدينة رغم المخاطر، في ظل ظروف صعبة وملحّة تتطلب تنسيقًا عاجلًا بين السلطات المحلية والجمعيات والمؤسسات الإنسانية لضمان استمرار الخدمات الأساسية وتأمين الدعم للنازحين والصامدين على حد سواء.
وفي هذا الإطار، أجرت جمعية العمل البلدي مقابلة خاصة مع رئيس بلدية مدينة النبطية، عباس فخرالدين، للوقوف على واقع المدينة والاطلاع على الجهود التي تبذلها البلدية في متابعة شؤون المواطنين وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
وأوضح فخرالدين أنّ المدينة شهدت منذ الأيام الأولى موجة نزوح واسعة، تراوحت نسبتها بين 40 و50% من السكان، حيث توجه عدد من الأهالي إلى أماكن كانوا قد استأجروها سابقًا. ومع اشتداد الاعتداءات خلال الأسبوع الأول، ارتفعت وتيرة النزوح لتتجاوز 90% من السكان.
وأكد أنّ البلدية كانت على أهبة الاستعداد منذ البداية، من خلال تشكيل خلية طوارئ لمتابعة أوضاع الصامدين وتأمين احتياجاتهم الأساسية، مشيرًا إلى أنّ الأستاذ خضر قديح تولّى متابعة ملف الآليات والجرافات لإزالة الركام وفتح الطرقات بعد كل اعتداء.
ولفت فخرالدين إلى أنّ فرق العمل استمرت لأكثر من يومين في إزالة الركام وانتشال جثامين الشهداء، عقب المجزرة التي وقعت بالقرب من المبنى السابق للبلدية، مؤكدًا أنّ البلدية كانت في جهوزية تامة لمواجهة أي طارئ، لا سيما مع حلول شهر رمضان وما يرافقه من ازدياد في المتطلبات.
ورغم الصعوبات، أشار إلى أنّ الحصيلة الأولية للأضرار تُظهر دمارًا واسعًا طال المباني والمحلات ومحطات الوقود، إضافة إلى سقوط 21 شهيدًا من المدنيين والمسعفين والعاملين في الفرق الإسعافية والصحفيين.
البلدية في مواجهة الأزمة: استجابة ميدانية وجهود إغاثي
وخلال إجراء هذه المقابلة بتاريخ 24-3-2026، شنّت مسيّرة إسرائيلية غارة استهدفت إحدى الفرق الإسعافية التابعة لإسعاف مدينة النبطية (النادي الحسيني)، أثناء قيامها بواجبها الإنساني، ما أدى إلى استشهاد عنصرين من أبناء المدينة، إضافة إلى تدمير محطتين للوقود.
ويعكس هذا الاعتداء، انتهاكًا صارخًا للقيم الإنسانية والأخلاقية، ويضعه برسم الهيئات الصحية الدولية، التي تُدين استهداف الطواقم الإسعافية وتعدّه انتهاكًا جسيمًا وفق جميع المعايير.
كما أشار رئيس البلدية إلى أنّ الاعتداءات طالت أيضًا فرق إسعاف أخرى أثناء تقديمها المساعدة الإنسانية، من بينها فرق كشافة الرسالة الإسلامية، والهيئة الصحية الإسلامية، وكشافة الإمام الحسين التابعة للنادي الحسيني وبيت الطلبة المسلمين. وأكد أنّ استهداف المراكز الإسعافية ومحطات الوقود يشكّل جريمة واضحة ضد الإنسانية، ويبرز الحاجة الملحّة إلى حماية المسعفين والمدنيين.
وفي ما يتعلق بالتنسيق مع الجهات الرسمية، أفاد فخرالدين أنّ التواصل مع الدولة لا يزال قائمًا رغم غياب المحافظ في النبطية، حيث جرى الاتصال بمحافظ الجنوب في صيدا، الأستاذ منصور ضو، أكثر من مرة لطلب تأمين مقرّ للبلدية. ورغم عدم الاستجابة، استمر التواصل عبر المسؤولين المعنيين في المحافظة، لا سيما الأستاذ علي بلعبكي والسيدة رنا رعد، لتزويدهم بإحصاءات عن الصامدين وتأمين احتياجاتهم الأساسية.
أما في ما يتعلق بالجهود الإغاثية، أفاد أنّ مجموعة من شباب النبطية ساهمت، بالتعاون مع البلدية، في توزيع المساعدات التي شملت الخضار واللحوم والدجاج والحصص الغذائية والأجبان والألبان. كما تولّت البلدية تأمين المياه للمدينة ومحيطها بالتنسيق مع اتحاد البلديات والجمعيات المعنية بالعمل الإغاثي.
وبيّن أنّه تم اعتماد برنامج خاص لتوزيع المساعدات بالطرق المتاحة، حفاظًا على سلامة الصامدين ومنع لفت انتباه العدو، إضافة إلى متابعة أوضاع نحو خمسين عائلة نازحة خارج المدينة لتأمين احتياجاتها الأساسية.
أما ميدانيًا، أشار رئيس البلدية إلى أنّ ما بين 250 و300 عائلة ما زالت صامدة داخل المدينة، رافضةً مغادرتها، مشددًا على أنّ تأمين المقومات الأساسية من طعام ومياه وكهرباء يُعدّ الإنجاز الأبرز الذي تعمل عليه البلدية ضمن خطة محكمة لضمان استمرار الحياة اليومية للصامدين.
وفي ما يخص التعاون مع الجهات الداعمة، أفاد أنّ البلدية تتعاون مع جمعيات داخل المدينة وخارجها، ترسل مساعدات دورية كل ثلاثة إلى أربعة أيام، من بينها جمعية Solidarity. كما يجري التنسيق بشكل مستمر مع الجيش والقوى الأمنية لتأمين مادة المازوت للمولدات الكهربائية، في ظل الأعطال التي طرأت على شبكات الكهرباء.
ولفت إلى أنّ قسمًا كبيرًا من هذه الأعطال جرى إصلاحه بالتعاون مع شركة مراد للكهرباء وبمواكبة أمنية من الجيش، مشيرًا إلى أنّ أكثر من نصف المدينة ما زال يستفيد من التغذية الكهربائية نتيجة أعمال الصيانة المستمرة.
رسائل الصمود والدعوة إلى التضامن
وفي ختام حديثه، وجّه رئيس البلدية الحاج عباس فخر الدين رسالة إلى النازحين، مشيدًا بصبرهم وقدرتهم على تحمّل الظروف الصعبة، ومشيرًا إلى أنّ البلدية تبذل كل ما بوسعها لتأمين الدعم الممكن رغم محدودية الإمكانات، داعيًا إلى الصبر والتكاتف خلال هذه المرحلة على أمل تجاوز الأزمة وعودة الأهالي إلى مدينتهم سالمين.
كما وجّه نداءً إلى الدولة اللبنانية بضرورة إيلاء ملف النازحين الاهتمام الكافي وتفعيل برامج وآليات الطوارئ، مشددًا على أهمية توحيد الجهود في مواجهة المخاطر. وفي الوقت نفسه، توجّه بالشكر إلى كل من ساهم في مساعدة النازحين وإيوائهم.
واختتم حديثه بالتقدير لـجمعية العمل البلدي على إتاحة الفرصة لإجراء هذا اللقاء وتسليط الضوء على واقع المدينة، معتبرًا أنّ الصمود والتعاون بين الجميع يشكّلان الأساس في حماية النبطية والحفاظ على أمنها واستقرارها.
تاريخ النشر:2026-04-03
