
خاص جمعية العمل البلدي – لمى زين
منذ أن اتسعت رقعة العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 آذار 2026، تبدلت ملامح سحمر تحت وطأة القصف والنزوح والدمار. فبين منازل أخلاها أهلها تحت وقع الاعتداءات، وأخرى بقيت عامرة بمن تمسكوا بأرضهم رغم قسوة الحرب، وجدت البلدية نفسها أمام مسؤولية تجاوزت إدارة شؤونها اليومية، لتتولى إدارة استجابة إنسانية وخدماتية فرضتها ظروف استثنائية، سعيًا إلى الحفاظ على استمرارية المرافق العامة ومواكبة احتياجات الأهالي.
وفي حديث خاص أُجري في أيار 2026 مع موقع جمعية العمل البلدي، يستعرض رئيس بلدية سحمر محمد الخشن تجربة البلدية خلال أشهر العدوان، وما أعقب وقف إطلاق النار في نيسان من تحديات مرتبطة بعودة الأهالي واستعادة الخدمات، التي بدأت أولى تحدياتها مع موجة نزوح واسعة فرضها تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على البلدة. فقد غادرت غالبية العائلات منازلها خلال فترة قصيرة، فيما بقي نحو 120 عائلة في الأيام الأولى، قبل أن يتراجع العدد إلى 65 عائلة، ثم إلى 27 عائلة فقط مع اشتداد القصف واتساع رقعة الاعتداءات.
ويشير الخشن إلى أن عدد العائلات النازحة بلغ نحو 1800 عائلة، توزعت بين القرعون، حيث استقر قرابة 2400 شخص، إلى جانب بلدات البقاع الأوسط ومجدل عنجر وراشيا. ويوضح أن ما بين 17 و22% من النازحين أقاموا في مراكز الإيواء، فيما لجأت النسبة الأكبر، والبالغة نحو 78%، إلى استئجار منازل على نفقتها الخاصة، الأمر الذي وضع البلدية أمام مسؤولية متابعة أوضاع النازحين داخل البلدة وخارجها.
ومنذ الأيام الأولى للنزوح، أعطت البلدية هذا الملف أولوية في عملها، فنسقت مع البلديات المضيفة لمتابعة أوضاع العائلات وتأمين احتياجاتها الأساسية، ولا سيما المياه والخدمات الأساسية، بالتوازي مع مواكبة شؤون الأهالي الصامدين داخل البلدة رغم استمرار الاعتداءات. كما نسقت مع الجهات الرسمية والإنسانية لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
وفي إطار هذه الاستجابة، يلفت الخشن إلى أن مجلس الجنوب كان من أبرز الجهات التي واكبت احتياجات سحمر، إذ وفر فرشًا وأغطية ومواد غذائية بمعدل بلغ نحو 100 عائلة يوميًا. كما وزعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نحو 120 حصة غذائية على العائلات التي بقيت في البلدة، فيما تولت البلديات المضيفة متابعة توزيع المساعدات على النازحين في أماكن وجودهم. وأسهمت مبادرات أهلية ومرجعيات دينية، من بينها المرجع السيد السيستاني، في تقديم مساعدات مالية شرعية، إلا أن حجمها بقي، بحسب الخشن، دون مستوى الاحتياجات التي فرضتها ظروف العدوان.
ولم يقتصر أثر العدوان الإسرائيلي على حركة النزوح، بل طال مختلف القطاعات الحيوية في البلدة. ووفق الإحصاءات الأولية التي أعدتها البلدية، دُمّرت 79 وحدة سكنية بالكامل، فيما تضررت 81 وحدة بصورة جزئية، إضافة إلى نحو 1200 وحدة سكنية تعرضت لأضرار متفاوتة.
وامتدت الأضرار إلى القطاع الاقتصادي، إذ تضررت 37 مؤسسة تجارية بصورة كلية و36 مؤسسة بصورة جزئية، بخسائر قدرت بنحو مليون دولار، شملت معامل ومناشر ومحطات محروقات، ما انعكس مباشرة على الحركة الاقتصادية ومصادر رزق عدد كبير من أبناء البلدة.
كما طالت الاعتداءات البنية التحتية، إذ خرجت 4 محطات كهرباء، إلى جانب خط التوتر الرئيسي المغذي للبلدة، عن الخدمة، ما انعكس مباشرة على التغذية الكهربائية وتشغيل مرفق المياه واستمرارية الخدمات الأساسية. ويضيف الخشن أن البلدة تعرضت أيضًا للقصف بالقنابل العنقودية 3 مرات، ما استدعى تدخل الجيش اللبناني للكشف على المواقع المستهدفة ومعالجة الذخائر غير المنفجرة، ومن بينها 3 صواريخ.
ولم تسلم الطرقات والجسور من الاستهداف، إذ طالت الغارات جسر الشهيد مصطفى شمران الرابط بين سحمر ومشغرة، إلى جانب الجسر الأثري القديم والمطحنة الأثرية، ما أعاق حركة التنقل والوصول إلى عدد من المناطق. ويوضح الخشن أن البلدية باشرت فتح الطرق مؤقتًا عبر أعمال ردم، ريثما تُستكمل أعمال إعادة تأهيلها، كما واصلت، رغم محدودية الإمكانات، تشغيل المرافق الحيوية، مع إعطاء الأولوية لتأمين المياه والكهرباء للأهالي الصامدين في البلدة.
ويشير الخشن إلى أن عددًا من الأهالي تمسكوا بالبقاء في سحمر رغم القصف، ولا سيما أصحاب المواشي الذين حالت ارتباطاتهم بأرضهم ومصادر رزقهم دون مغادرتها، الأمر الذي أبقى البلدية أمام مسؤولية مواكبة احتياجاتهم وتأمين الحد الأدنى من الخدمات ضمن الإمكانات المتاحة.
وفي الوقت نفسه، دفعت البلدة ثمنًا بشريًا باهظًا، إذ تجاوز عدد الشهداء 40 شهيدًا، فيما فُجعت بعض العائلات باستشهاد أكثر من فرد من أبنائها، إلى جانب تدمير منازلها، ما ضاعف الأعباء الاجتماعية والإنسانية التي واجهتها البلدية خلال مرحلة الاستجابة.
ولم تقتصر استجابة البلدية على تأمين الخدمات، بل شملت إجراءات هدفت إلى التخفيف من الأعباء المعيشية عن الأهالي، فأعفتهم من بعض الرسوم والضرائب البلدية لمدة شهرين، ونسقت مع مجلس الجنوب ووزارة الأشغال لإعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء واستعادة الحد الأدنى من الخدمات العامة.
ويضيف الخشن أن البلدية واصلت، على المستوى الإداري، تنسيقها مع الجهات الرسمية عبر قائمقامي البقاع الغربي وراشيا، لمتابعة الملفات الخدماتية والإدارية ورفع الاحتياجات الطارئة إلى الجهات المختصة، بما أتاح استمرار متابعة شؤون البلدة في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضها العدوان.
ومع إعلان وقف إطلاق النار في نيسان 2026، بدأت عودة الأهالي إلى سحمر بصورة طبيعية وتدريجية، إذ بلغ عدد الموجودين في البلدة خلال المرحلة الأولى نحو 70% من السكان، قبل أن يستقر الوجود الدائم عند ما بين 45 و50% نهارًا، ونحو 20% ليلًا، في ظل استمرار آثار الدمار وتراجع النشاط الاقتصادي.
ويرى الخشن أن المرحلة الراهنة تفرض أولوية استكمال إعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الخدمات الأساسية، وفتح الطرق، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار. ويؤكد أن تعافي البلدة لا يقتصر على إصلاح الأضرار، بل يتطلب خطة شاملة تعيد تنشيط الحركة التجارية والصناعية والزراعية، وتوفر مقومات عودة السكان واستقرارهم، بما يعيد لسحمر قدرتها على النهوض واستعادة دورها.

تاريخ النشر:2026-06-30
