
خاص موقع جمعية العمل البلدي - لمى زين
شهدت مدينة بعلبك خلال الحرب الأخيرة واقعًا مغايرًا لما اختبرته خلال عدوان 2024؛ إذ لم تسجّل موجة نزوح واسعة من سكانها، مع أنّها عرفت، في محطات العدوان الإسرائيلي السابقة، موجات نزوح كبيرة بفعل الاستهداف واتساع دائرة الخطر. وفي الوقت نفسه، وجدت نفسها أمام تحدّي استقبال نازحين من الضاحية الجنوبية والجنوب ومناطق أخرى طاولها العدوان، وما استتبعه ذلك من ضغط متزايدٍ على الخدمات البلدية والمرافق العامة، في مدينةٍ بقيت مأهولة تحت وطأة الحرب وتحملت عبئًا سكانيًا مضاعفًا.
ويقول رئيس بلدية بعلبك، أحمد طفيلي، في حديث إلى موقع جمعية العمل البلدي، إن نسبة النزوح من المدينة لم تتجاوز نحو 15 في المئة، مقارنة بما تراوح بين 70 و80 في المئة خلال عدوان 2024، مشيرًا إلى أنّ بعلبك استقبلت نازحين من الضاحية الجنوبية والجنوب، إلى جانب حركة نزوح داخلية محدودة انتقل خلالها بعض السكان من أحياء أكثر عرضة للاستهداف إلى أخرى بدت أكثر استقرارًا نسبيًا.
ويلفت طفيلي إلى أنّ غياب قاعدة بيانات دقيقة في الأيام الأولى للحرب فرض تحديًا إضافيًا على البلدية، إذ أُعدّت، بالتعاون مع المخاتير وخلية الأزمة، لوائح أولية شملت 559 عائلة، قبل أن يُستكمل لاحقًا مسح أكثر دقة أظهر وجود 342 عائلة نازحة، وذلك قبل وقف إطلاق النار المؤقت بنحو أسبوعين.
وفي مسعى إلى تكوين صورة أوضح عن الواقع السكاني داخل المدينة، أطلقت البلدية رابطًا إلكترونيًا لإحصاء المقيمين، سُجّلت عبره نحو 20 ألف عائلة، في مؤشر، بحسب طفيلي، إلى أنّ الغالبية الساحقة من السكان بقيت داخل مدينة بعلبك رغم ظروف الحرب والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة.
ويشير طفيلي إلى أنّ حركة النزوح اتخذت، في معظم الأحيان، طابعًا محدودًا ومؤقتًا، ولا سيما خلال أيام التهديدات، حيث تولّت الشرطة البلدية تسهيل خروج السكان من الأحياء المهددة، قبل أن يعود معظمهم في اليوم التالي.
وعلى صعيد الأضرار، يوضح طفيلي أنّ المدينة تعرّضت لغارتين كبيرتين في الأيام الأولى للحرب، أسفرت الأولى عن ارتقاء 11 شهيدًا وإصابة 15 شخصًا بجروح، فيما أوقعت الثانية 4 شهداء و6 جرحى، إلى جانب تدمير مبنيين بصورة كاملة وتضرر الأبنية المجاورة.
ورغم محدودية الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية، فرضت الحرب أعباءً إضافية على المدينة تمثلت في ارتفاع الضغط على الخدمات العامة والبلدية نتيجة بقاء غالبية السكان واستقبال نازحين، بالتوازي مع تراجع حاد في الحركة الاقتصادية بلغ، في مراحل عدة، حدود الشلل شبه الكامل.
وفي موازاة ذلك، حافظت البلدية، رغم تعثر انتظام العمل الإداري منذ اندلاع الحرب وحتى ما قبل وقف إطلاق النار المؤقت بنحو أسبوعين، على الحد الأدنى من استمرارية الخدمات الأساسية، ولا سيما في مجالات النظافة العامة، وإدارة النفايات، والصحة والبيئة، بما أمّن استمرار الحد الأدنى من انتظام المرفق البلدي في ظل ظروف استثنائية.
ويشير طفيلي إلى أنّ هذه الخدمات واجهت ضغطًا مضاعفًا بفعل الزيادة السكانية المؤقتة، في وقت اضطر فيه جزء من موظفي البلدية إلى النزوح أيضًا، فيما واكبت البلدية عمليات إسعاف الجرحى، وانتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض، ورفع الركام، وتنظيم حركة السير داخل الأسواق والأحياء، فضلًا عن مؤازرة الشرطة البلدية للأجهزة الأمنية في حفظ الحد الأدنى من الاستقرار داخل المدينة.
أما على مستوى المساعدات، فيفيد طفيلي بأن الدعم اقتصر بصورة أساسية على ما قُدّم عبر مجلس الجنوب، حيث جرى توزيع 559 حصة غذائية استنادًا إلى اللوائح الأولية للعائلات النازحة. كما أسهمت بعض الجمعيات المحلية في تقديم مساعدات محدودة، في حين لم تُسجّل، بحسب طفيلي، استجابة تُذكر من الجهات الدولية المانحة أو من وزارة الشؤون الاجتماعية للنازحين المقيمين خارج مراكز الإيواء.
ويعزو طفيلي ذلك، جزئيًا، إلى واقع بعلبك التي لا تضم مراكز إيواء فعلية بحكم تصنيفها مدينة غير مخصصة للاستقبال، الأمر الذي جعل المبادرات البلدية والأهلية تشكّل السند الأبرز لتلبية الحاجات الأكثر إلحاحًا للنازحين والمقيمين.
وخلال فترة وقف إطلاق النار المؤقت التي أعقبت 18 نيسان، سجّلت المدينة عودة سريعة للسكان الذين كانوا قد غادروها، من دون ضغط يُذكر على الطرق أو الخدمات، بالتوازي مع عودة تدريجية لبعض النازحين إلى مناطقهم، في مشهد عكس آنذاك ميلًا سريعًا إلى استعادة وتيرة الحياة اليومية قبل تجدّد العدوان لاحقًا.
ويشير طفيلي إلى أنّ البلدية كانت تعمل، خلال فترة وقف إطلاق النار المؤقت، بالتعاون مع خلية الأزمة والمتطوعين، على إعداد مسح جديد لتحديد أعداد العائلات التي بقيت في بعلبك، ولا سيما تلك التي تعذر عليها العودة بسبب الأضرار أو استمرار انعدام الاستقرار الأمني، بهدف متابعة أوضاعها وتأمين ما أمكن من خدمات ودعم.
وفي ختام حديثه، أكّد رئيس بلدية بعلبك أحمد طفيلي أنّ ما أظهره أهالي المدينة من تكافل وصمود خلال الحرب أسهم في تجاوز جانب من الأعباء التي فرضها العدوان الإسرائيلي، داعيًا إلى تعزيز التعاون والتضامن الوطني، وإلى تحمّل الدولة مسؤولياتها في دعم المواطنين والمناطق المتضررة، بما يوفّر مقومات الثبات والصمود في مواجهة تداعيات المرحلة.

تاريخ النشر:2026-06-08
