
موقع جمعية العمل البلدي- أسماء بزيع
يشهد لبنان واحدة من أخطر الأزمات التي تطال قطاع الثروة الحيوانية، مع التفشّي السريع لمرض الحمى القلاعية (Foot and Mouth Disease)، ولا سيّما عترة SAT-1، في مختلف المناطق، ما ألحق خسائر اقتصادية فادحة بالمربين، وفتح الباب على أزمة تمسّ الأمن الغذائي وسبل العيش في الأرياف اللبنانية.
وبحسب الدكتور البيطري مهدي فاضل من قسم الصحة الحيوانية في وزارة الزراعة لموقع "جمعية العمل البلدي"، تُعدّ الحمى القلاعية من أشدّ الأمراض الفيروسية عدوى بين الحيوانات ذات الظلف المشقوق، "إذ ينتقل الفيروس عبر التلامس المباشر، والأعلاف الملوثة، والهواء لمسافات قد تتجاوز 60 كيلومترًا، فضلًا عن الملابس ووسائل النقل". ويؤكد أن "المرض لا يصيب الإنسان، لكنه سريع الانتشار ويصعب احتواؤه في غياب إجراءات وقائية صارمة".
تظهر الأعراض على شكل ارتفاع حاد في درجة الحرارة، إفراز لعابي كثيف، عرج في الأطراف، تقرّحات في الفم وعلى الحلمات وغدة الضرع، ما يؤدي إلى توقّف الحيوانات عن الأكل وانهيار قدرتها الإنتاجية. وفي العجول، قد تتخذ الإصابة طابعًا أكثر خطورة، فتؤدي إلى التهاب عضلة القلب. "ولا يوجد علاج نوعي للمرض، يقتصر التدخل البيطري على معالجة الأعراض، فيما تبقى الوقاية، والتلقيح، والحجر الصحي الركائز الأساسية للحد من انتشاره" وفق الدكتور فاضل.
على أرض الواقع، تتكشّف أكثر فصول الخسارة القاسية. ففي بلدة سرعين الفوقا، يروي المزارع عباس عبد الله لموقع "جمعية العمل البلدي" أن المرض ضرب قطيعه خلال أسابيع قليلة، ففقد عددًا من الأبقار، واضطر إلى إرسال بعضها للذبح، بعدما انهار إنتاج الحليب من نحو 35 كيلوغرامًا يوميًا إلى أقل من 10 كيلوغرامات. أما المزارع حسين شومان يؤكد أن ما تبقّى لديه اليوم لا يتجاوز أربع بقرات يعتاش منها هو وأخوه، بعد نفوق وبيع معظم القطيع، فيما بقيت بعض الأبقار التي شُفيت تعاني من عرج دائم وتراجع حاد في الإنتاج.
اقتصاديًا، لا تتوقف الخسائر عند حدود النفوق أو انخفاض الإنتاج، إذ تنخفض قيمة البقرة المصابة من آلاف الدولارات إلى بضع مئات فقط، فيما تترافق الأزمة مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار الأعلاف والتبن، ما يجعل الاستمرار في تربية المواشي عبئًا يفوق قدرة المزارعين، ولا سيّما أصحاب المزارع الصغيرة.
في موازاة ذلك، عقدت اللجنة المركزية للثروة الحيوانية والهيئات الزراعية في لبنان، بالتعاون مع اتحاد بلديات بعلبك، لقاءً وطنيًا تضامنيًا ومطلبيًا في بعلبك، ناقشت خلاله تداعيات تفشّي عترة SAT-1، محذّرة من أن استمرار انتشار المرض يشكّل خطرًا وجوديًا على الثروة الحيوانية. وطالب المجتمعون بإجراءات طارئة، ودعم مباشر للمربين المتضررين، وتعزيز التنسيق مع وزارة الزراعة والجهات المختصة، تفاديًا لانهيار هذا القطاع الحيوي.
إن الحمى القلاعية اليوم ليست مجرد مرض بيطري عابر، بل أزمة وطنية تمسّ الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في الريف اللبناني، وتستدعي تحرّكًا عاجلًا ومسؤولًا قبل أن تتحوّل الخسائر إلى واقع لا يمكن تداركه.

تاريخ النشر:2026-01-27
