
خاص موقع جمعية العمل البلدي - لمى زين
التعدد الزراعي في لبنان نِتاج طبيعي للتقلبات المناخية والفوارق الطبوغرافية بين البقاع والجنوب، حيث تتوزع المحاصيل وفقاً للارتفاع والمناخ ومساحات الأراضي.
في الجنوب الساحلي تميّزت زراعة الموز والحمضيات، لكن الحمضيات انقرضت تدريجياً واستُبدلت بأشجار الأفوكادو، بينما تبدأ زراعة الزيتون والخروب بالتزايد فوق ارتفاع ثلاثمئة متر، فتنتشر بكثافة في الجنوب والبقاع الغربي. أما في الداخل الجنوبي والمناطق البقاعية تنشط زراعة الحبوب واللوزيات، ويُعرف عن البقاع أيضاً زراعة القمح والتفاحيات، فيما تفرض صِغَر مساحات الأراضي أساليب زراعية مكثفة.
في مقابلة خاصة مع موقع جمعية العمل البلدي تحدث مدير مديرية الجنوب الثانية في جهاد البناء المهندس قاسم حسن عن أبرز المشاكل التي تواجه هذا القطاع بشكلٍ عام وعن شجرة الزيتون بشكلٍ خاص.
مزيد من الضغط على هوامش الربح الزراعي
"تواجه الزراعة في لبنان مجموعة من العوائق البنيوية والاقتصادية التي تقوّض استدامتها وتحدّ من تنوع المحاصيل"، يقول حسن، ويضيف أن ارتفاع كلفة الإنتاج والطاقة والعمالة والأدوية الزراعية يرفع تكاليف المدخلات ويُضعف قدرة المنتج المحلي على المنافسة أمام المستورد، كما تفرض التبدلات المناخية والاحتياج المستمر لتبديل الزراعات وفقاً للمنطقة ضغطاً إضافياً على المزارع. في المقابل، يفاقم غياب الحماية والرقابة والرعاية من قبل الدولة والمؤسسات المعنية الوضع، بينما يؤدي احتكار التجار لمستلزمات الإنتاج وارتفاع الأسعار إلى مزيد من الضغط على هوامش الربح الزراعي.
يضاف إلى ذلك عواقب سياسية وتجارية مباشرة، إذ منعت بعض الدول استيراد الحمضيات والموز اللبنانيَّين، ما أدى إلى تكديس المحاصيل وحدوث خسائر فادحة للمزارعين الذين لم يجدوا أسواقاً لتصريف منتجاتهم. هذا الانقطاع ينعكس في التصدير على قدرة المزارع في تمويل المواسم التالية وصيانة البنى التحتية الزراعية، ويزيد من ميل المزارعين نحو محاصيل مربحة قصيرة المدى أو تغيير المحاصيل التقليدية كما حصل مع استبدال الحمضيات بالأفوكادو.
أما الزيتون فيحتلّ مكانة خاصة كرمز تاريخي ووطني مرتبط بالأرض في جبل عامل وبلاد الشام بوجه عام. هو شجرة ذات جذور ثقافية ودينية مجسدة في الكتب السماوية من التوراة إلى الإنجيل فالقرآن، وتحمل رمزية السلام والصمود.
ضعف المحصول شجّع التلاعب والغش
تُزرع أشجار الزيتون بكثافة في الجنوب والبقاع الغربي، وإنتاجها عادة وفير، لكنّ ظروف الطقس والأزمات الأمنية والسياسية والبيئية قد تفرض تقلبات حادة في المحصول. تجسّد ذلك في انحسار الأمطار والقصف الإسرائيلي الأخير على لبنان تحديداً في العام الأخير، فيما منع العدوان أصحاب الأراضي من القطاف في مناطق الحافة الأمامية، فتراجع المحصول وارتفعت الأسعار بشكل حاد، ما شجّع التلاعب والغش في الأسواق المحلية نتيجة قلة العرض وضعف آليات المراقبة.
غياب الرقابة الفعّالة من الدولة وجمعيات حماية المستهلك سمح بانتشار غش الزيت وخلط الزيوت، ما ينعكس سلباً على ثقة المستهلك وعلى سمعة المُنتَج اللبناني التقليدي. كما أن ضعف الاهتمام الرسمي بالتوعية العامة حول قيمة شجرة الزيتون وإنتاجها يجعل من الجهود المجتمعية والجمعيات المحلية الركيزة الأساسية للحفاظ على هذه الرمزية والزراعة المرتبطة بها.
رغم هذا كله، أضاف حسن في حديثه لموقعنا أن بعض المؤسسات والجمعيات تعمل على إطلاق برامج تشجيعية وخطط تنفيذية لزراعة الزيتون وإعادة تأهيل الأشجار المتضررة، خصوصاً في الجنوب والبقاع الغربي، من بعد الخسائر الناتجة عن القصف الإسرائيلي الذي أتلف أعداداً كبيرة من الأشجار، عدا عمّا تمّ سرقته من قبل الاحتلال من الأراضي اللبنانية ونقله إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويلفت حسن إلى أن هذه المبادرات لا تُغني عن الحاجة لسياسات وطنية شاملة توفر دعماً مادياً وتقنياً للمزارعين، وتضمن سوقاً مستقراً ومراقبة فعّالة لمنع الاحتكار والغش، إلى جانب آليات للتصدير تحمي المنتجين من تقلبات الطلب الخارجي وعقوبات الاستيراد المفروضة أحياناً لاعتبارات سياسية وأمنية أو ربما اقتصادية.
26 تشرين الثاني: اليوم العالمي للزيتون
رغم أن السادس والعشرين من تشرين الثاني قد أُعلن يوماً عالمياً لشجرة الزيتون، يبقى هذا التاريخ مجهولاً بالنسبة للّبنانيّين نتيجة غياب التثقيف الرسمي وضعف المبادرات الحكومية للاحتفاء به. ومع ذلك، فإن اللبنانيين يواصلون زراعة الزيتون حُبًّا بهذه الشجرة ورمزيتها العميقة، واستثماراً في قيمتها الاقتصادية والبيئية، سواء بوجود اليوم العالمي أو بغيابه. وعلى هذا الأساس، تتم زراعة شجر الزيتون ضمن خطط تثبيتاً لمبدأ الصمود وربطاً بين الأرض والناس.
الزراعة في لبنان مرآة لتاريخ الأرض وهويتها، لكنها تحتاج إلى رعاية مؤسسية منسّقة وسياسات اقتصادية واجتماعية تحمي المزارع، فالحفاظ على التنوع الزراعي والرموز مثل شجرة الزيتون يتطلب جهداً جماعياً بين الدولة والمجتمع المدني والمزارعين، ليبقى الإنتاج الزراعي ركيزة للعيش والهوية في آنٍ واحد.
تاريخ النشر:2025-11-26
