
موقع جمعية العمل البلدي - زينب حجازي
يُعدّ المخطط التوجيهي للبلديات من أهم الأدوات التي تنظّم علاقة الإنسان بالأرض، وتوجّه التنمية نحو مسار متوازن ومستدام، فهو ليس مجرد خرائط هندسية، بل رؤية شاملة تعكس هوية المكان واحتياجات الناس، وتجمع بين البعد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعمراني.
برنامج "حكي بلدي" عبر إذاعة النور استضاف مسؤولة قسم الدراسات الإنمائية في المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق المهندسة مهى جمول، بمشاركة المهندس عدنان سمور من بلدية الخيام، للحديث عن أهمية المخطط التوجيهي ودوره في رسم مستقبل التنمية المحلية، ولا سيما في المناطق التي عانت من الإهمال أو العدوان.
وشرحت جمول أن المخطط التوجيهي هو وثيقة استراتيجية تحدد التوجهات العامة لاستعمالات الأراضي وتنظيم المجال الجغرافي على المدى المتوسط والطويل في منطقة معينة بطريقة تحفظ الموارد الطبيعية وتراعي احتياجات السكان. وأشارت إلى أن لبنان يعاني من غياب التخطيط الشامل، إذ لا يغطي المخطط التوجيهي سوى نحو 10% من الأراضي اللبنانية، ما أدى إلى تركّز السكان على الساحل وغياب التوازن التنموي في الأطراف.
وأضافت أن إعداد المخطط لا يقتصر على الجانب الفني، بل يتطلّب مشاركة فعلية من الأهالي في صياغة الرؤية والمشاريع، لأنهم أصحاب الأرض والمصلحة، ومشاركتهم تضمن القبول الشعبي والاستدامة الاجتماعية. فالمخطط الناجح هو الذي «يشبه الناس»، ويعبّر عن خصوصية المنطقة، لا عن نموذج جاهز يُستنسخ من مناطق أخرى.
وشددت جمول على أن اختيار مواقع المرافق العامة يجب أن يكون قائمًا على رمزية المكان وذاكرته، لا فقط على توافر الأراضي، موضحةً: «مش المخطط راح يقول لي وين ما لقيت أرض فاضية أعمل ساحة. الساحة مرتبطة بفكرة بدي برزها، وين فيه نقطة بالنسبة للناس هي نقطة جوهرية. وين فيه مكان يشكل مرحلة تاريخية معينة».
وبيّنت أن تنفيذ أي مخطط يحتاج إلى أربعة موارد أساسية:
- المورد المالي، وهو ضروري لكنه غير كافٍ؛
- المورد البشري، المكوَّن من خبراء في التخطيط والبيئة والزراعة والمعلوماتية؛
- المورد المعلوماتي، الذي يشمل الخرائط، الدراسات الإحصائية، وسجلات العقارات؛
- مورد الوقت، الذي وصفته بأنه الأكثر إهمالًا، محذّرة من أن تأخير التنفيذ يجعل المخطط يفقد صلاحيته، كما حدث في مشاريع تعود إلى ستينيات القرن الماضي.
ومن جهته، تحدث المهندس عدنان سمور عن تجربة بلدية الخيام في إعادة الإعمار بعد حرب تموز 2006، مؤكدًا أن الإعمار لم يكن مجرد ترميم للحجارة، بل إحياء للهوية والذاكرة والمقاومة، حيث شارك الأهالي في رسم ملامح البلدة الجديدة وتوسيع شوارعها وتنظيمها بما يحافظ على طابعها التراثي والمقاوم.
وختاما تطرقت جمول إلى صعوبة إعداد مخططات في المناطق الحدودية التي تعرضت للعدوان، بسبب غياب المسح العقاري والحاجة الملحّة للإعمار السريع. لكنها شددت على أن التخطيط ممكن على مستوى المنطقة ككل، عبر توزيع المرافق والخدمات بين البلدات، مثل إنشاء مجمع تربوي أو صحي يخدم أكثر من قرية، ما يخفف الكلفة المالية والإدارية ويعزز التعاون بين المجتمعات المحلية.
إن المخطط التوجيهي ليس مجرد إجراء إداري أو هندسي، بل هو فعل وطني وثقافي يربط الإنسان بأرضه ويصون ذاكرته. فهو أداة مقاومة ضد الفوضى والنسيان، ورسمٌ لواقع جديد يشبه الناس والمكان.
تاريخ النشر:2025-10-20
