
خاص موقع جمعية العمل البلدي - زينب حجازي
تعيش بلدات بعلبك الهرمل واقعًا صعبًا ومهمَّشًا منذ سنواتٍ طويلة، لكن رغم كلّ التحديات الاقتصادية والاجتماعية، تحاول البلديات أن تسدّ ما أمكن من فراغ غياب الدولة، وأن تقوم بدورها في أكثر المناطق حرمانًا من لبنان. في قضاء بعلبك تُكتب يوميًا قصة جديدة من الإصرار على البقاء، تصنعها البلديات بإمكانات محدودة، ولكن بعزيمة لا تعرف الكلل ولا الاستسلام.
فمن الماء إلى الكهرباء، ومن المدارس إلى الطرقات، تتشابه المعاناة في كل قرية وبلدة. ومع غياب الدعم الرسمي وشحّ الموارد، لم تقف البلديات مكتوفة الأيدي، بل حوّلت الأزمة إلى حافز للبحث عن حلول بديلة.
فمشاريع الطاقة الشمسية باتت تنتشر لتأمين تشغيل الآبار، والمبادرات تُطلَق لترميم شبكات المياه، ولو بميزانيات متواضعة أو بدعمٍ من جمعيات مانحة. المهم أن لا تتوقف الحياة، وأن تصل الخدمة إلى الناس وتُخفّف عنهم جزءًا من المعاناة اليومية.
في قلب هذه الجهود، يبرز الدور الاستثنائي للبلديات التي اختارت أن تكون إلى جانب الناس. فهي تتعاون مع المانحين لتأمين حصص غذائية، وتوفّر الدعم للمدارس كي لا تُقفل أبوابها، وتُعيد تأهيل الحدائق والمكتبات العامة، لتُذكّر الأهالي بأن الحياة ليست كهرباء وماء فقط، بل أيضًا أمل وأنشطة ومساحات مشتركة.
ورغم أن العدوان الإسرائيلي الأخير ترك ندوبًا عميقةً في المنطقة، فإن روح التضامن بقيت أقوى من الدمار. فمن حربتا إلى قصرنبا ونبحا، ما زالت أصوات الغارات الإسرائيلية محفورة في الذاكرة، وقصص الشهداء حاضرة في كل بيت، لكن البلديات واكبت ترميم ما يمكن ترميمه، لتؤكد أن لا شيء يقف في وجه إرادة الحياة.
إلى جانب ذلك، تواجه بلديات بعلبك أزمة نزوح مُرهقة من سوريا نتيجة التحولات الأخيرة في المنطقة. ففي بلدات مثل شعت والقصر، أطلقت البلديات بالتعاون مع جمعيات محلية ودولية مشاريع لدعم النازحين والتخفيف من الضغوط المعيشية، مع محاولات لاستيعاب التضخم السكاني والحفاظ على التوازن الخدماتي في ظل تزايد الأعباء.
واقع الخدمات لا يخلو من المرارة، فالكهرباء لا تزور المنازل إلا لساعات محدودة، والطرقات لا تزال تنتظر مشاريع التعبيد، وشبكات الصرف الصحي غائبة عن كثير من البلدات، إلا أن البلديات تواصل وضع خططًا تنمويةً مستقبليةً على أمل تحسين الخدمات وتأمين حياةٍ أكثر كرامةً واستقرارًا للأهالي.
إن ما تقوم به بلديات بعلبك الهرمل اليوم هو شكل من أشكال الصمود، ورسالة واضحة بأن التنمية حق لجميع السكان. ففي منطقة لطالما وُصفت بالتهميش، تنهض إرادة قوية لتقول أن العمل البلدي الصادق يمكن أن يكون صمّام الأمان في وجه الانهيار.
وهكذا، في أرض الشمس، لا يُقاس الإنجاز بحجم التمويل، بل بصدق النيّة والإصرار على خدمة الناس. فبين ضيق الموارد وكثرة التحديات، تواصل بلديات بعلبك العمل بعزيمة لا تلين. وما تفعله اليوم هو وعدٌ مُتجدّد لأبنائها: أن البقاء هنا، رغم كل الصعوبات، هو فِعلُ مقاومةٍ وصمودٍ في وجه التهميش والنسيان.
تاريخ النشر:2025-10-17
