
خاص موقع جمعية العمل البلدي - زينب ضاوي
حين تعبر الطرق المؤدية إلى بلدات البقاع، يخال إليك أنك أمام أرضٍ أنهكتها الأزمات وجفاف السنوات الأخيرة. لكن شيئًا ما يتغيّر ما إن تدخل تلك القرى، ترى مشاريع تُنفَّذ رغم الصعوبات، أصوات عمال يعيدون تعبيد الطرقات، وشبابًا يشاركون في ورش بلدية لا تتوقف. هناك، بين السهل والجبل، يُكتب مشهد مختلف عن البؤس، تصنعه بلديات ما زالت تؤمن أن العطاء لا يحتاج إلى وفرة، بل إلى نية وجهد وإصرار.
المياه تبقى الشغل الشاغل والأولوية القصوى في معظم القرى البقاعية. بعد سنوات من الجفاف وتراجع منسوب الآبار، انطلقت البلديات في تنفيذ مشاريع لإصلاح الشبكات المتضرّرة، وتشغيل المضخات والآبار الارتوازية، وتأمين العدالة في توزيع المياه بين الأحياء.
بعض البلديات تعتمد على بئريْن ارتوازيّيْن بطاقة 25 و40 ليتر/ثانية، مزوديْن بخزانات إجمالية تصل سعتها إلى 180 متر مربع، مع العلم أن هذه الكميات غير كافية لسكان البلدات، وما يزيد عن 2000 نازح سوري في بعض المناطق. وللتخفيف من الأزمة، يتم حفر آبار إضافية بعمق 100 متر مزوّدة بأنظمة شمسية، وتأمين المضخات لضخ المياه بشكل مستمر.
على صعيد الكهرباء، تواجه البلديات تحديات كبيرة حيث لا تتجاوز ساعات التغذية في بعض القرى ساعتيْن إلى أربع ساعات يوميًا، وبعض الأحياء لا ترى الكهرباء إطلاقًا، ما دفع السكان للاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية. وفي بعض البلدات، يتم تجهيز أنظمة طاقة شمسية تصل الى 400 لوح، مع متابعة تركيب أجهزة الإنارة على الطاقة الشمسية للطرقات والشوارع الرئيسية.
أما النظافة والصرف الصحي، فتبقى إحدى أكبر التحديات، بسبب الكثافة السكانية والنازحين، حيث تتجاوز كمية النفايات اليومية 100 طن في بعض البلدات، ما استلزم تشكيل لجان محلية للتنسيق، وتأمين الوقود والأجور للعاملين، وتنظيم حملات فرز النفايات من المصدر، لاستيعاب الوضع الراهن. كما نفذت بعض البلديات مشاريع "المال مقابل العمل" لتوفير فرص عمل لأبناء القُرى في جمع وفرز النفايات، ومشاركة الشباب في دورات تدريبية بهذا المجال لتعزيز المشاركة المجتمعية.
ولم تغب المشاريع الاقتصادية عن جهود البلديات. ففي بعض القُرى، تم إعادة تشغيل معامل الأجبان والألبان بتكلفة تجاوزت 200 ألف دولار، وأُنشئت محميات طبيعية غُرست فيها نحو 40 ألف شجرة على مساحة 500 ألف متر مربع، لتكون مشاريع بيئية وإنتاجية في آنٍ معًا. كما أُعيد تشغيل الأسواق الأسبوعية، وشجعت البلديات الحرفيّين والصناعات المنزلية، مع تقديم مساعدات عينية لدعم الإنتاج المحلي.
خطط العمل البلدي لحظت أيضاً الطرقات والبُنى التحتية، فقد شملت أعمال إعادة تأهيل الطرق الرئيسية والفرعية، فضلاً عن ترميم الجسور والمرافق العامة التي تضررت بفعل العدوان الاسرائيلي الأخير على لبنان في العام 2024. واستُكملت مشاريع القصر البلدي والمباني العامة بتجهيزات كهربائية وصحية وبناء قاعات اجتماعات ومستوصفات صغيرة لتقديم الخدمات الصحية بالتعاون مع العيادات المتنقلة.
ورغم تراجع الموازنات إلى مستويات غير مسبوقة، استمر العمل اليومي بروح المسؤولية والانتماء، حيث تم تمويل معظم المشاريع من تبرعات المغتربين والجمعيات، سعياً للاكتفاء الذاتي في البلدات. كل مشروع صغير، وكل مبادرة تُنفَّذ بجهود ذاتية، هي رسالة إصرار على البقاء والاستمرارية، وتحويل الأزمة إلى فرصة للنهوض.
أثبتت بلديات البقاع أنّ الصمود يكون بالإعمار والعمل والخدمة. فهنا، حيث حاولت الأزمات أن تسرق ملامح الحياة، أصرّت البلديات على إعادة رسمها بعرق موظفيها وتعاون أهلها، من حفر الآبار إلى تعبيد الطرقات، وتركيب الإنارة بالطاقة الشمسية، وتشغيل المشاريع الإنتاجية.
البقاع اليوم ينهض من جديد، بجهودٍ محلية، تكتب على أرضه حكاية "من تحت الغبار يولد الضوء، ومن قلب الجفاف تنبُت الحياة".
تاريخ النشر:2025-10-15
