
خاص موقع جمعية العمل البلدي - نرجس أحمد
حين تسلك الطرق المؤدية إلى القرى الحدودية، يخيّل إليك أنّك تدخل أرضًا أنهكها العدوان وتركها خاوية. لكن سرعان ما يبدّد هذا الانطباع مشهد مختلف: أعمدة إنارة تعود لتضيء، أطفال يركضون في ملاعب أُعيد تأهيلها، وأسواق تضج بالحياة. هناك نبض جديد يُصنع من تحت الركام، تصنعه بلديات الجنوب بجهود عظيمة تثبت أنّ الإرادة هي من تصنع الإنجاز، وأنّ من رحم التضحيات يولد الثبات.
ما يلفت في هذه الجولة أنّ القواسم المشتركة بين معظم البلدات تكاد تكون واحدة: الكهرباء والمياه أولًا. من عيترون إلى القنطرة، ومن مركبا إلى دير سريان ومجدل سلم، كان التحدي الأكبر إعادة تشغيل الآبار الارتوازية وصيانة الشبكات وسط كلفة باهظة وظروف مالية صعبة. وبرغم ذلك، نجحت البلديات خلال أسابيع قليلة في تأمين المياه للبلدات وإعادة الكهرباء إلى البيوت والطرقات.
غير أنّ الجهود لم تتوقف عند "الحد الأدنى". فالملف الرياضي مثلًا لم يُترك من دون عمل، ففي قلاويه وبرعشيت أُعيد تشغيل الملاعب، بل وإدخال رياضات جديدة إليها، مثل البادل تنس. ولم يقتصر الاهتمام على الرياضة فقط، بل امتد ليشمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ ففي الخيام، مقبرة الصهاينة الغزاة، عاد سوق الخميس كموعد أسبوعي يملأ الشوارع بالباعة والزبائن، في رسالة واضحة أنّ الجنوب يبني من أنقاض الحرب مساحات للحياة، ومن جراحاته يزهر العطاء.
وعلى خط موازٍ، سعت بعض البلديات إلى تعزيز الاقتصاد المحلي، ففي عيترون أنجزت مشاريع تفوق قيمتها 200 ألف دولار، أبرزها إعادة تشغيل معمل الأجبان والألبان ليشكّل رافعة اقتصادية للأهالي. هذه بلدات وقفت في الحرب بوجه العدو على مدار عامين، وتلقّت ضربات عديدة، إلّا أنّها بصمود أهلها وإصرار بلدياتها على تحمّل المسؤولية، استطاعت يدًا بيد أن تُعيد إحياء قراها بعد العدوان الإسرائيلي الأخير.
الأرقام بدورها تعكس حجم الإنجاز ففي مجدل سلم عاد ما يقارب ثمانية آلاف شخص أي حوالى 70% من السكان، وفي عيترون نحو 900 عائلة، وفي بني حيان أكثر من مئة عائلة، أما في ميس الجبل الملاصقة لفلسطين المحتلة فقد عاد نحو 600 عائلة. هذه العودة لم تكن لتتحقق لولا جهود البلديات المتواصلة التي حملت على عاتقها مسؤولية الناس كما حملت في قلوبها دماء شهدائها.
في المحصلة، تحوّلت البلديات الحدودية إلى خلايا صمود حيّة، فتحت الطرقات، أعادت الكهرباء والمياه، أمّنت المدارس والمستوصفات، وذهبت إلى أبعد من ذلك بأسواق، ملاعب، منصات إلكترونية، وحتى مشاريع إنتاجية. كل ذلك وسط ظروف اقتصادية قاسية، لم تفلح في ثنيها عن مسؤولياتها ولا في زعزعة ثقة الناس بها.
الجنوب الذي أراد له الاحتلال أن يُفرغ من أهله، عاد اليوم كيومٍ ربيعيّ مشرق، بلمسة إنسانية مميزة، وبقدرة البلديات على تحويل الركام إلى حقول خضراء وإعادة خطوات الأجيال إلى المدارس. ولعلّ ما تفعله البلديات هو أبلغ رسالة في وجه العدوان الإسرائيلي: الأرض أرضنا يا عدوّ، وهذه البلاد بلادنا.
تاريخ النشر:2025-09-08
