
خاص موقع جمعية العمل البلدي - مريم مهدي
أهالي الجنوب الصامد يرفضون الاستسلام ومتمسكون بأراضيهم أحياءً كانوا أم أموات! فرغم صعوبة الأوضاع الأمنية والتهجير القسري من القرى الحدودية، يوصي الجنوبيون أن يُدفنوا في مقابر بلداتهم. يصرون على أن تُعاد الجثامين إلى موطنها ويُصلى عليها بحضور المعزين، ولو تحت تهديد العدوان، فلا يردعهم أو يخيفهم شيء. حتى المغتربون منهم يوصون بأن تُعاد جثامينهم لتُدفن في القرى غير آبهين بالأوضاع الأمنية أو التكلفة المادية.
البلديات الحدودية ليست بعيدةً عن المشهد مطلقاً، فهي المعني الأول بتنسيق إجراءات الدفن وتأمين الحماية للمشيعين. دورها يبدأ من لحظة الوفاة ولا ينتهي إلا بعودة الأهالي إلى منازلهم بعد انتهاء جميع المراسم. رئيس بلدية بليدا حسان حجازي، يتحدث لموقع جمعية العمل البلدي عن إصرار الجنوبيين على دفنهم في أرضهم ودور البلديات في التنسيق والمتابعة.
الإجراءات اللوجستية والأمنية للدفن
يشرح حجازي أن إجراءات البلديات تبدأ حين إبلاغ أهالي الفقيد عن الوفاة، ليتم التنسيق بدايةً مع موعد الدفن ونقطة الانطلاق. بعدها ينقسم دور البلدية إلى شقين، الأول يتعلق بالمعزين وإجراءات الدفن، والثاني التواصل وإبلاغ الجهات الأمنية لتأمين سلامة الدفن.
في الشق الأول، وبعد إبلاغ البلدية، تقوم بنشر وتوزيع الخبر لإبلاغ جميع أهل القرية والقرى المحيطة بالوفاة. بعدها تقوم البلدية بنوعين من الإجراءات: الأول في مكان النزوح وهو ترتيب الآليات المشاركة بالدفن ومن ستنقل، والثاني ترتيبات لوجستية تتعلق بالقبر والتغسيل والتكفين.
يقول حجازي إن البلديات تسعى مع الأهالي لتأمين كافة آليات النقل المتوفرة. بعدها تجهز سيارة الإسعاف الخاصة بالبلدية وتضعها في خدمة أهل العزاء لنقل الجنازة من مكان الوفاة إلى المغسل ثم إلى القرية. أما عن الترتيبات في القرية، فأغلب بلديات الجنوب حفرت مسبقاً قبوراً وتم تغطيتها بشكل يُسهل فتحها عند الحاجة. وبعد تأمين مستلزمات القبر، يتم التنسيق لتأمين من يؤم الصلاة على الجنازة.
يشير رئيس بلدية بليدا حسان حجازي، إلى أن إمام البلدة هو المتواجد الأول للصلاة، لكن في حال تعذر وجوده، تقوم البلدية بتأمين من يصلي على الجنائز ويلقنها الشهادة. إلى جانب الإجراءات اللوجستية، يرافق عمال البلدية أهل الميت والجنازة لتأمين جميع الاحتياجات اللازمة، فضلاً عن التنسيق مع فرق الهيئة الصحية لمواكبة المعزين في حال حصل أيّ طارئ.

التنسيق الأمني
في الشق الثاني من الإجراءات، تقوم بلديات الجنوب بالتواصل مع مخابرات الجيش اللبناني لإعلام قوات اليونيفيل عن موعد الدفن ونقطة انطلاق موكب المعزين. بدورها، تعلم قوات اليونيفيل العدو الإسرائيلي وتنسق معه لضمان عدم حصول أي اعتداء على المعزين أو آلياتهم.
رغم هذا التنسيق المسبق والواضح أنه يقتصر على إجراءات الدفن، يقوم العدو بترويع المعزين وتهديدهم، إما عبر الغارات الوهمية أو القصف المدفعي على جوانب القرى. يؤكد حجازي أن إرادة الصمود والتأكيد على المقاومة ما هزّ عزيمة الأهالي يوماً، حتى أنه مع أولى أيام العدوان شهدنا تحدياً من قبل المعزين للتهديدات والاستمرار بالمراسم مهما اشتدت الظروف الأمنية.



متابعة بعد الدفن
وظيفة البلديات لا تنتهي عند انتهاء مراسم الدفن. يقول حجازي إن دور البلدية يشمل مواكبة الداخلين إلى البلدة للخروج منها، دون أيّ تعرض لقصف أو اعتداء. فبعض الأهالي ينتهز الفرصة لتفقد منزله أو أرضه، ولو كان مدمراً. فتحرص البلدية على جمع المعزين عقب انتهاء الدفن والخروج سوياً من البلدة. وتحت مواكبة ومرافقة الجيش اللبناني وفرق الدفاع المدني اللبناني والهيئة الصحية الإسلامية والمجلس البلدي، تخرج الآليات من نطاق القرى المستهدفة لتعود لقرى التهجير.
في ختام حديثه لموقع جمعية العمل البلدي، يثني رئيس بلدية بليدا، حسان حجازي، على حرص البلديات على صمود الجنوبيين وأهالي الفقيد في تحمل أعباء التهديدات الإسرائيلية أثناء الدفن. يشيد بمواكبة الجهات الأمنية والجيش اللبناني للمراسم، فضلاً عن دور عمال البلديات والوقف في تأمين جميع المستلزمات اللازمة. يعد بأن تكون البلدية إلى جانب الأهالي لحظة انتهاء العدوان والمساندة في إعادة الإعمار، خاصة أن جلّ تلك القرى الحدودية عانت من الاحتلال وعادت إليها أولى أيام التحرير. فأهل الجنوب يحبون أرضهم أحياءً كانوا أم أموات.
تاريخ النشر:2024-07-26
