
موقع جمعية العمل البلدي - زينب ضاوي
في مقابلة خاصة ضمن برنامج "حكي بلدي" على إذاعة النور، تناول الخبير البلدي ورئيس بلدية مجدل سلم السابق ورئيس محمية وادي الحجير علي تامر ياسين مسألة المشاركة المجتمعية في العمل البلدي، ودورها المحوري في تحقيق التنمية المحلية في القرى والبلدات اللبنانية.
أهمية إشراك المجتمع في صياغة القرار
وأوضح ياسين أن البلديات الناجحة هي تلك التي تعي مبكراً أهمية إشراك المجتمع في صياغة القرار، وتستفيد من الطاقات البشرية والخبرات المتوفرة، سواء عبر اللجان التطوعية المتخصصة أو من خلال المبادرات الشعبية، لافتاً إلى أن نجاح أي تجربة بلدية يرتبط مباشرة بمدى قدرتها على استقطاب أصحاب الكفاءات من مهندسين، محامين، أساتذة، وناشطين.
وأشار ياسين إلى أن المشاركة المجتمعية ليست طرحًا جديدًا، بل تعود بجذورها إلى ما وضعه الامين العام لحزب الله الشهيد السيد هاشم صفي الدين من "دستور" خاص بالعمل البلدي، يقوم على المفهوم المشارِكي وترتيب الأولويات، بما يضمن العدالة في توزيع الخدمات والإنماء. واعتبر ياسين أن اعتماد هذا النهج يضع البلديات على خطّ متوازٍ مع التجارب الدولية، ويمنحها قدرة أكبر على الاستفادة من طاقات المجتمع وإشراك مختلف الفئات في صياغة القرارات.
وأوضح ياسين أن الشهيد الهاشمي كان يرى أنّ المرأة لها دور أساسي في المشاركة المجتمعية، وأن حضورها مهم لإدارة الشأن الاجتماعي والتربوي، كما أن مشاركتها في المشاريع الإنتاجية التي تدعمها البلديات تمنحها تمكينًا اقتصاديًا وتحوّلها إلى شريك فعلي بالتنمية.
المشاركة ليست شعاراً
وشدّد ياسين على أن المشاركة ليست شعاراً، بل هي ثقافة يجب أن تُرسَّخ بين أبناء القرى والبلدات، بحيث يشعر المواطنون أنهم شركاء في صنع القرار وفي تحديد أولويات الخدمات الأساسية كالطاقة، الصحة، المياه، والغذاء.
وأضاف أن غياب الإدارة التقليدية لم يعد مقبولاً، وأن المطلوب هو إدارة محلية حديثة تستند إلى التخطيط، التنظيم، التوجيه، والمتابعة، ضمن رؤية استراتيجية واضحة تتجاوز الأزمات السنوية وتستفيد من منهجيات "التخطيط في السياقات الهشّة"، بما يوفّر المرونة والقدرة على التكيّف مع الظروف الاقتصادية الصعبة.
ولفت ياسين إلى أن المشاركة المجتمعية تعزّز الثقة والشفافية، فحين تكون مالية البلدية ومصاريفها واضحة أمام الناس، يصبحون أكثر استعداداً لدعمها والتعاون معها، خصوصاً في ظل الأزمات المالية الراهنة. وأكد أن المواطن شريك أساسي لا في الاستفادة فقط، بل في تحمّل المسؤولية ومساندة البلدية لترشيد الإنفاق وتوجيه الموارد نحو مشاريع إنمائية منتجة.
التعاون الشعبي للحفاظ على الهوية
كما تطرّق إلى الأثر الاجتماعي لهذه المشاركة، مشيراً إلى تجارب بلديات استفادت من التعاون الشعبي للحفاظ على الهوية والتراث العمراني، أو لمواجهة الاستهدافات التي طالت المعالم البيئية والتاريخية في المناطق الحدودية، حيث لعب الانتماء للأرض دوراً أساسياً في تحفيز الناس على التطوع والمبادرة.
وعرض ياسين نماذج مبتكرة مثل لجان الوساطة المجتمعية التي أسهمت في حل النزاعات بعيداً عن المحاكم، والحملات التطوعية التي جمعت شباباً ونساءً في خدمة قراهم، إضافة إلى مبادرات الخدمة المجتمعية التي يمكن أن تتحول إلى إطار رسمي يشارك فيه الجميع من دون استثناء.
وأكد أن المشاركة الفاعلة تقلّل الهدر وتزيد فرص النجاح، لأنها تجعل الناس شركاء في القرار ومدافعين عنه، كما أنها ترفع من جودة التخطيط عبر تقديم حلول واقعية وإبداعية من داخل المجتمع نفسه.
روح المجتمع وحضوره الفعلي
وشدّد ياسين على أن البلدية لا يمكن أن تحقق أهدافها من داخل المكاتب المغلقة، بل تحتاج إلى روح المجتمع وحضوره الفعلي، داعياً إلى اعتبار المواطن شريكاً أساسياً في رسم الأولويات وصياغة الحلول.
وضرب مثالاً حيّاً على هذه الروحية بما شهده في مجدل سلم خلال حرب 66 يوم، حيث توقّف إطلاق النار عند الرابعة فجراً، وبعد نصف ساعة كان الأهالي مع فرق البلدية والجرافات والآليات في قلب الأرض، يعملون على رفع الركام وإعادة الحياة إلى البلدة. ورأى ياسين أن هذا السلوك يعكس قناعة راسخة بأن البلدية والمجتمع جسد واحد، وأن روح الانتماء للأرض هي المحرك الأساسي لأي مشاركة مجتمعية ناجحة.
وفي ختام حديثه ضمن برنامج "حكي بلدي"، أكد ياسين أن "المشاركة المجتمعية ليست مجرّد وسيلة بل هي غاية بحد ذاتها، إذ تمنح العمل البلدي الشرعية والقوة، وتفتح الطريق أمام تنمية محلية أكثر استدامة وإنصافاً".
تاريخ النشر:2025-09-19
