
خاص موقع جمعية العمل البلدي - رهف حرب
بين ضجيج الجرافات وصمت القرى التي غمرها الدمار، تعود إلى الواجهة قضية البنى التحتية المتهالكة في الجنوب اللبناني. من العديسة إلى حولا، ومن مركبا إلى رميش، ترك العدوان الأخير على الجنوب اللبناني آثارًا فادحة لم تقتصر على الخسائر البشرية والمادية الفورية، بل امتدت لتطال البنية التحتية برمّتها، حيث لم تسلم الطرقات من قصف الطائرات ولا من إهمال الإدارات.
فمن يعيد ربط هذه القرى ببعضها البعض؟ ومن يعوّض على الأهالي والمزارعين والطلاب الذين باتوا يسلكون طرقًا محفوفة بالحفر والمخاطر كل يوم؟
بين عودة الحياة تدريجيًا إلى بعض القرى الحدودية، ما زالت الحفر العميقة، والطرقات المدمّرة، والجسور المنهارة، شاهدة على قسوة الضربات الجوية، وعلى هشاشة الاهتمام الرسمي.
في هذا التحقيق، نضيء على واقع الطرقات المتضرّرة في جنوب لبنان، ونسأل: من المسؤول عن إعادة الإعمار؟ من يموّل؟ ومن يتأخّر؟ وهل سيبقى المواطن ينتظر على الأرصفة المدمّرة في ظل غياب واضح لأي خطة طوارئ وطنية متكاملة؟

الخسائر بالأرقام: أضرار جسيمة وتوثيق مستمر
بحسب معلومات حصل عليها موقع جمعية العمل البلدي يشير رئيس اتحاد بلديات جبل عامل السابق علي ياسين، ان الأضرار طالت عشرات الكيلومترات من الطرقات الحيوية، بعضها رئيسي يربط بين قرى القضاء، وبعضها داخلي يخدم الأحياء السكنية مباشرة.
هذه الأضرار لم تكن فقط نتيجة القصف المباشر، بل أيضًا بفعل مرور آليات عسكرية ثقيلة، وانهيارات ناتجة عن الضغط والاهتزازات. يُقدّر ياسين عدد النقاط المتضرّرة بأكثر من 100 نقطة حرجة، بعضها بات يشكّل خطرًا حقيقيًا على السلامة العامة. ومن المثير للقلق أن معظم هذه النقاط لا تزال من دون معالجة فعلية حتى اليوم.
دور الاتحادات البلدية: مبادرات محلية بموارد محدودة
في ظل الغياب المركزي، بادرت اتحادات البلديات إلى التحرك، حيث تمّ رفع تقارير مفصّلة إلى الجهات المعنية، لا سيما وزارة الأشغال العامة ووزارة الداخلية، إضافة إلى وزارة المالية التي تُعتبر الجهة الممولة الأساسية عبر البلديات.
واذ يؤكد رئيس اتحاد بلديات جبل عامل أن الإمكانيات على الأرض محدودة، يقول "نحن نُعدّ دراسات، نرسل فرق فنية، ونقدّر الكلفة، لكن لا يمكننا أن نمول إصلاحات بهذه الضخامة، فنحن بحاجة لخطة طوارئ وطنية، ودعم مباشر من الحكومة".
من يدفع؟ الأزمة المالية تلقي بثقلها
بغض النظر عن التحديات اللوجستية، تبرز المعضلة الكبرى: التمويل. في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمرّ بها لبنان، تجد الوزارات نفسها عاجزة عن تأمين ميزانيات عاجلة، ما يؤدي إلى تأجيل المشاريع أو إلغائها. أما البلديات، التي تعاني بدورها من نقص التحويلات المالية، فتكتفي بأعمال ترقيعية لا تصمد طويلًا.
ويُشير المهندسون في اتحاد جبل عامل إلى أن كلفة الترميم الأولي فقط قد تصل إلى مئات آلاف الدولارات، من دون احتساب إعادة تأهيل الجسور أو الحفر العميقة.

آثار اقتصادية واجتماعية
ليست القضية تقنية فقط، فطرقات الجنوب ليست مجرد معابر، بل شرايين لعودة الحياة. فالتأخير في ترميمها ينعكس على الزراعة، التعليم، الخدمات الطبية، وحتى الأمن. الطرق المدمّرة تعني مزيدًا من العزلة والخسائر اليومية لسكان يكافحون أصلًا للبقاء في مناطقهم.
"من دون ترميم، الشغل صعب كتير"، يقول مزارع من جنوب لبنان، فمشكلة الطرقات تسبب عائقا كبيرا في بعض الأحيان خصوصا ان بعض الطرقات مدمرة بشكل كبير.
الحلول المؤجّلة: هل من أمل؟
في غياب خارطة طريق واضحة من الوزارات المعنية، يبقى تحمل المسؤولية سراباً لا يفضي الى حلّ للمشكلة. يرى بعض الخبراء أن الحلّ الوحيد هو في استصدار قرار طارئ من مجلس الوزراء، لتخصيص أموال عاجلة لإعادة الإعمار في المناطق الحدودية. كما يُقترح إنشاء لجنة مشتركة بين البلديات والوزارات المعنية تتابع التنفيذ ميدانيًا، بشفافية ومراقبة.
خلاصة: المعركة لم تنتهِ
انتهى العدوان، لكن معاناة الجنوب مستمرة، فالطرقات ليست مجرّد وسيلة عبور، بل امتداد لوصل الجغرافيا ببعضها. وصيانتها ليست ترفًا او رفع لمستوى السلامة المرورية، بل ضرورة لعودة الحياة. ويبقى السؤال اليوم: هل ستبقى الطرقات في الجنوب مدمّرة حتى إشعار آخر؟ أم سيتحرك المعنيون فعلًا، قبل أن تستفحل الازمة لتخلو قرى الحدود تدريجياً من مظاهر التعافي والحياة؟
تاريخ النشر:2025-07-26
